1. طرح المشكلة (المقدمة)
تتكون العلامة اللسانية من قطبين متلازمين: الدال (الصورة الصوتية أو الكلمة المنطوقة/المكتوبة) والمدلول (الفكرة أو المعنى الذهني الذي تشير إليه الكلمة). وإذا كان الإنسان يتحدث بلغات شتى للتعبير عن نفس المسميات، فقد نشأ صراع بين النظرة الفلسفية القديمة واللسانيات الحديثة حول طبيعة هذا الرابط:
- هل العلاقة بين الدال والمدلول علاقة طبيعية ذاتية ضرورية ومحاكية لجوهر الأشياء؟
- أم أنها علاقة اعتباطية اصطلاحية ومبنية على التواضع والاتفاق الاجتماعي الحر؟
2. الموقف الأول: العلاقة بين الدال والمدلول علاقة ضرورية طبيعية
الأطروحة: يرى أنصار النظرية الكلاسيكية والموقف الطبيعي (أفلاطون في محاورة كراتيل، إميل بنفنيست، وهيجل) أن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة تلازمية ضرورية وغير قابلة للانفصال، متى وُجد الدال حضر المدلول طردياً.
حجج وأدلة الموقف الأول:
- محاكاة الطبيعة عند أفلاطون:
- يرى أفلاطون أن أصل نشوء الكلمات في اللغات الإنسانية الأولى كان تقليداً ومحاكاة مباشرة لأصوات الأشياء وخصائصها الطبيعية الذاتية؛ فالأسماء تعكس صفات مسمياتها.
- ومن الأمثلة الصارخة على ذلك: (خرير الماء، فحيح الأفعى، زئير الأسد، هديل الحمام، حفيف الشجر، قصف الرعد، شخير النائم). فالصوت هنا يجسد المعنى مباشرة وتفرضه طبيعة الشيء.
- رأي هيجل في فلسفة الروح:
- يقول هيجل: "نحن نفكر داخل الكلمات"؛ فالرمز اللغوي ليس قالباً فارغاً بل هو تجسيد حي للمدلول، والكلمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجوهر الفكرة في الوعي.
- تلازم الوجهين عند بنفنيست:
- يؤكد اللساني إميل بنفنيست أن الدال والمدلول منطبعان في الذهن في آن واحد كوجهي قطعة النقود أو الورقة؛ فعندما أسمع كلمة "شجرة" لا يمكن لذهني إلا أن يستحضر مفهوم الشجرة، فهما في العقل عنصر واحد لا ينفصل.
نقد وتقييم الموقف الأول:
النقد: لو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة طبيعية ضرورية وكونية لتكلم جميع البشر لغة واحدة على وجه الأرض، ولكان معنى اللفظ بديهياً لدى كل من يسمعه. لكن الواقع يثبت وجود ظاهرة الترادف (أسماء متعددة لمدلول واحد كالسيف والحسام والمهند) والمشترك اللفظي (لفظ واحد بمعانٍ متعددة كالعين)، واختلاف اللغات بين الأمم.
3. الموقف الثاني: العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية تحكمية
الأطروحة: يرى اللسانيون المعاصرون ورواد اللسانيات البنيوية (فرديناند دي سوسير، جون بياجي) أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست طبيعية ولا مبررة بحتمية بيولوجية، بل هي **اعتباطية، اصطلاحية، وتواضعية** تأسست على الاتفاق الاجتماعي.
حجج وأدلة الموقف الثاني:
- الاعتباطية عند فرديناند دي سوسير:
- يؤكد أب اللسانيات الحديثة دي سوسير أن العلامة اللغوية تربط بين فكرة وصورة سمعية وليس بين شيء واسم. والربط بينهما قائم على "الاعتباطية" (Arbitraire) أي لا يوجد أي مبرر داخلي يفرض إطلاق أصوات معينة على فكرة معينة.
- مثال: حروف كلمة "أُخْت" (أ، خ، ت) لا تمتلك في ذاتها أي رابطة طبيعية مع مفهوم الأخوة الأنثوية؛ ولذلك تعبر لغات أخرى عن نفس المعنى بأصوات مختلفة كلياً: (Sister بالإنجليزية، Soeur بالفرنسية، Schwester بالألمانية).
- تعدد اللغات واختلاف المسميات:
- إن تنوع آلاف اللغات واللهجات عبر العالم هو الدليل الحاسم على أن المجتمعات هي التي تصطلح على ألفاظها بحرية وتوافق جمعي.
- مواقف علماء النفس واللغويات (جون بياجي):
- الطفل يتعلم الألفاظ كمواضعات اجتماعية بالتقليد، ولا يولد ولديه فهم غريزي لأي كلمة.
نقد وتقييم الموقف الثاني:
النقد: صحيح أن العلاقة اعتباطية في أصل نشوئها، لكن مصطلح "الاعتباطية" لا يعني "الفوضى أو التحكمية الفردية"؛ فالإنسان ليس حراً في تغيير ألفاظ اللغة كما يشاء لأن اللغة عقد اجتماعي وقانون ملزم لحفظ التفاهم، مما يكسبها ضرباً من الضرورة والتقديس في الاستعمال.
4. التركيب وتوفيق النظريتين
العلاقة بين الدال والمدلول **اعتباطية واصطلاحية من الناحية النظرية والتاريخية** عند نشأة اللغات وتنوعها؛ لكنها تصبح **ضرورية وتلازمية وقهرية من الناحية العملية والواقعية** داخل نسق اللغة الواحدة بعد الاتفاق المجتمعي عليها؛ فالناطق بالعربية ملزم باستعمال لفظ "كتاب" للدلالة على ذلك المدلول حتى يتحقق التواصل.
5. خاتمة وحل المشكلة (النتيجة)
نصل في الأخير إلى أن العلاقة بين الدال والمدلول نسيج متداخل يجمع بين الاصطلاح الإنساني والضرورة الوظيفية؛ فالإنسان كائن ثقافي تجاوز بعده البيولوجي عبر قدرته الخلاقة على وضع الرموز والمواضعة عليها، لتتحول هذه الرموز بعد ذلك إلى جسور تواصل ثابتة وضرورية في حياة المجتمع.